الشيخ محمد بن عبدالله بن حسين بن صالح الحسين أبا الخيل

ولد في بلدة المريدسية غرب بريدة في عام 1310 هـ ، وبمجرد أن أدرك وجهه والده الشيخ عبد الله بن حسين ـ وهو أحد علماء العصر آنذاك ـ إلى التعليم ، فتعلم مباديء القراءة والكتابة والحساب وقراءة القرآن ، ثم ما لبث أن حفظ القرآن عن ظهر قلب ، ثم أخذ بالقراءة على أبيه في الأصول والفروع والحديث والفرائض ، وقرأ على الشيخ عبد الله بن فدا ، كما درس النحو على الشيخ عيسى الملاحي ، وكان ذلك في المريدسية، انتقل الشيخ محمد إلى بريدة لمتابعة التحصيل العلمي سنة 1340 هـ ، أي بعد ثلاث سنوات تقريباً من وفاة والده ، فأكمل دراسته على مشايخ بريدة في ذلك الزمان ، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن بشر ، والشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ، والشيخ عمر بن محمد بن سليم ، وكان من أهم الكتب التي قرأها على الشيخ عمر كتاب المقنع في الفقه حتى حفظه عن ظهر قلب . ولقد عرف عند مشائخه بالذكاء والنباهة وسرعة الفهم ، وقد نبغ في أصول الدين وفروعه . وفي تلك الأثناء أسس مسجد العجيبة ببريدة ، وبمجرد أن تم بناؤه سنة 1343 هـ على نفقة عبد العزيز بن حمود المشيقح أحد رجال بريدة المعروفين في زمانه ـ صار الشيخ محمد  إماماً لـه ، وقد ظل في إمامته حوالي ثمانٍ وثلاثين سنة ، أي حتى وفاته . عين الشيخ محمد قاضياً في بلدة نفي جنوب غربي القصيم في حدود سنة 1345 هـ ، ولما صار أهل نفي إلى الأخوان ، وخرجوا معهم ، وحدثت معركة السبلة عام 1347 هـ نقل الشيخ في العام نفسه قاضياً لبلدة الجعلة في الشمال الشرقي من القصيم ، واستمر في قضائها ثلاث عشرة سنة يروي ابنه الشيخ عبد الله أنه حين ذهب مع والده إلى الجعلة سنة 1349 هـ رأى بنفسه حلقة كبيرة من الطلبة يدرسون على الشيخ ، وأنه قرأ معهم . ومن أعماله الطيبة معهم أنه احتسب الأجر من الله تعالى في شراء مجموعة كبيرة من قرب الماء لهم ، وقد كلفته الواحدة منها فرانسي واحد ، وحينما مرض قاضي عنيزة عبد الله بن مانع وأعفي من القضاء استشار الملك عبد العزيز الشيخ عمر بن سليم فيمن يصلح لهذا المنصب بعده ، فأشار عليه بالشيخ محمد ، وعين قاضياً في عنيزة في شوال سنة 1360 هـ . وجدير بالذكر أن الملك عبد العزيز قبل ذلك كان يعرف الشيخ ، ففي سنة 1358 هـ التي كانت أول حجة للشيخ بالسيارات كان قد أمر بعلاجه حين شكا ألماً في أسنانه ، يقول ابنه الشيخ عبد الله ـ وقد صحبه في تلك الحجة ـ أننا في طريق العودة إلى الرياض ، وبالتحديد في المويه جاءنا الخبر من الملك  بالتأكيد على مواصلة علاج الشيخ . ولقد كان الشيخ محبوباً عند عامة أهل البلد ، وكانت لـه مجالس خاصة مع بعض الأعيان وطلبة العلم فيها ، وكان من الذين يجلس معهم صالح المنصور أباالخيل ، والشيخ عبد الرحمن الصالح البسام، والشيخ عثمان الصالح القاضي ، وكانت تدور في تلك المجالس مناقشات علمية وتاريخية وغيرها . وقد استمر الشيخ عثمان القاضي حتى وفاته في علاقته الوثيقة بالشيخ محمد . ومما يذكر هنا أن الشيخ محمداً خلال وجوده في عنيزة صاهر أحد أعيانها ، وهو صالح الجفالي ، إذ تزوج بنتاً لـه ، فولدت ولداً ذكراً ، ولكنه مات صغيراً،أما عن سخائه مع أهالي عنيزة فيقول الشيخ عبد الله البسام((( كان جوداً كريماً ، فإنه انتقل من عنيزة مديناً مع كثرة ما قبضه من غلال على القضاء ، وعلى إمامة مسجد الجامع فيها ))، لم يمكث الشيخ محمد طويلاً في قضاء عنيزة ، فبعد مرور تسعة أشهر على ولايته قدم استقالته ، وعاد الشيخ محمد إلى بريدة ، فصار الشيخ عمر بن سليم إذا غاب في بعض الأحيان ينيبه ، كما تعود أن يجعله رئيساً للجنة المكونة من قبله للتحقيق فيما يحصل من مشكلات في القصيم ، فكان الشيخ عمر يعتمد عليه كثيراً في مثل هذه الحالات، لما مرض الشيخ عمر بن سليم جعل الشيخ محمداً وكيلاً عنه في القضاء في بريدة ، وقد استمر على ذلك حتى وفاة الشيخ عمر في يوم الاثنين 16 من ذي الحجة 1362 هـ ، ثم ظل قاضياً غير رسمي لبريدة حتى جاء الأمر بتعيينه بهذا المنصب رسمياً في 18 من ربيع الثاني سنة 1363 هـ ، وكان ذلك بإلحاح من جماعة أهل بريدة على الملك عبد العزيز ، حيث سافر رئيس أعيانها الوجيه فهد العلي الرشودي إلى الرياض ، وقابل الملك في الخفس خارج الرياض ، وعرض عليه تعيين الشيخ محمد قاضياً لبلدهم ، ووضح رغبته ورغبة الجماعة فيه ، فوافق الملك على ذلك ، وأصدر الأمر بتعيينه . وقد باشر عمله في القضاء،أمضى الشيخ محمد في منصبه هذا أقل من خمسة أشهر ، حيث أعفي من القضاء في شعبان أو رمضان من تلك السنة، ويذكر أن الشيخ أبلغ بقرار إعفائه بعد صلاة العشاء الآخر ، فقال لحامل الخطاب كلاماً منه قوله (( … لن أنام أريح من هذه الليلة ، لأني تخلصت من حقوق العباد ))  .تفرغ الشيخ محمد بعد ذلك للعلم فضلاً عن شؤونه الخاصة ، ففي السنة نفسها التي أعفي من القضاء في بريدة ، أي سنة 1363 هـ شرع بالتأليف في الفقه ، واستغرق منه تأليف الكتاب والعمل به ما يقارب عشرين عاماً، أما أهم ما تميز به الكتاب فقد أشار إليه الشيخ محمد في المقدمة فقال  (( وذكرت فيه من الأدلة والروايات وما تيسر عندي من مذاهب الأئمة والعلماء ، ولم أصل إلى أن يكون لي اختيار ولا ترجيح ، ولكن ما قدمت من المؤخر على المقدم ، أو على المذهب فهو الراجح عندي )) ، ثم ذكر بعد ذلك عنوان كتابه بقوله (( وقد سميته ( زوائد الزاد ) زاد الله به نفعاً كما نفع بالزاد )) . وقد طبع بعنوان (( الزوائد في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني )) .. وقد أشاد به محب الدين الخطيب فقال بعد أن ذكر امتياز فقه الإمام أحمد بقربه من القرآن والسنة وأقوال الصحابة ـ قال (( وهذا الكتاب حافل بإبراز هذه الميزة الجليلة للفقه الحنبلي في أكثر ما ورد فيه من أحكام الشريعة : عباداتها ومعاملاتها وآدابها ، لأن مؤلفه العلامة التقي الورع الشيخ محمد بن عبد الله آل حسين رحمه الله كان حريصاً على أن يذكر الحكم مقروناً بدليله من هذه الينابيع الصافية … ولذلك سيجد فيه كل مشتغل بالفقه الإسلامي ـ مهما كان مذهبه ـ فوائد قلما يجد مثلها في كتب المذاهب الأخرى )) . وما يجدر ذكره أن كثيرين عرضوا طبع هذا الكتاب على نفقتهم إلا أن الشيخ محمداً لم يقبل مصمماً أن يطبعه من ماله الخاص ، فقد كان يجمع نفقة طبعه من سنوات ، وقد دفعها كلها قبل موته ، وأمر أن يكون كتابه لوجه الله ، بحيث يوزع على طلبة العلم ، وقد بديء بطباعته قبل موته بشهر ، وقد جاء في مجلدين كبيرين . وبجانب اشتغاله بتأليف هذا الكتاب كان يقوم بالتدريس ، وبخاصة في مسجده الذي يقوم بإمامته ، فقرأ عليه جمع من الطلبة الإلفية في النحو ، منهم عبد العزيز الفرج ، والشيخ صالح بن أحمد الخريصي رئيس محاكم القصيم ، وأخوه الأكبر عبد الرحمن ، وعقلاء ، والقصير وغيرهم ، وكانوا يقرأون عليه بعد المغرب ، وكان عبد العزيز الفرج يقرأ عليه بعد أذان العشاء من تفسير ابن كثير ، فكان الشيخ محمد يشرح قراءته ويعلق عليها . وبالإضافة إلى هؤلاء فإن هناك آخرين درسوا على يدي الشيخ ولازموه ، فكان من أخصهم : الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن المسند العالم الأديب المعروف الذي تولى مناصب عديدة ، والشيخ القاضي إبراهيم بن محمد العمود الذي تولى القضاء بالدمام . وبخلاف بروزه في علوم الشريعة والنحو فقد كان لـه شيء من العناية بالأدب والتاريخ ، ففي أوراق خاصة بقيت بعده سجل بخطه أبياتاً من شعر الزهد والحكم ، منها :

كن ما استطعت عن الأنام بمعزل * * إن الكثير من الورى لا يصـحـــب

واحذر مصـاحبة اللئيـــــم فـإنه * * يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجرب

واحذر من المظـلوم سهـماً صائباً * * واعـلـم بأن دعـاءه لا يـحـجـــب

وإذا رأيت الــرزق عـز ببلـــدة * * وخشيت فيها أن يضــــيق المذهـب

فارحل فأرض الله واسعة الفضا * * طولاً وعــرضاً شرقها والمغـــــرب

فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي * * فالنصح أغـلى ما يبـاع ويـوهـــب

كما سجل بخطه أيضاً في أوراق أخرى شيئاً من التاريخ المعاصر الذي يحفظه، أما عن شؤونه الخاصة فقد صار يتنقل بين بريدة والمريدسية غرب بريدة والربيعية شرق بريدة للقيام على أملاكه والإشراف على أملاك بعض أقاربه ، وقد لوحظ كثرة ترداده على الربيعية بالذات ، إذ كان وكيلاً على أسبال ابن عمه إبراهيم بن مهنا الصالح وأولاده،وبالنسبة لصفة الشيخ فقد كان طويلاً ، ضخم الأعضاء ، قمحي اللون ، متوسط الشعر . أما أخلاقه فقد كان سمح الخلق ، لين العريكة ، طلق الوجه ، متواضعاً متعففاً ، واسع البال ، لا يعرف الغضب إليه طريقاً ، لا يمل مجلسه وحديثه ، محبوباً لكل من يعرفه . وكان يتفقد أقاربه وجيرانه ، ويتعهد الفقراء والمساكين حسب استطاعته . وكان مستقيماً في دينه وخلقه ، صريحاً في الحق لا يخشى فيه لومة لائم . وكان يحج كل عام ، ويعتمر في رمضان ، قواماً في الليل، حتى قيل أنه يقسم الليل ثلاثة أقسام : الثلث الأول للاطلاع والتأليف ، والثلث الثاني للراحة والنوم ، والثلث الثالث للعبادة ، كما كان مكثراً لتلاوة القرآن ، يصوم الست من شوال ، وعشر ذي الحجة ، وعاشوراء ، ولا صحة لقول من قال عنه أنه يرى كراهية صيام الست من شوال . أما صيام غيرها من النفل فقليل ، ربما لأنه يرى أن قراءة القرآن أفضل لـه لاسيما وأن الصيام كان يشق عليه كثيراً . مرض الشيخ محمد في آخر حياته ، وقد انتقل إلى جوار ربه ليلة الجمعة 13 من شعبان سنة 1381 هـ .

منصة رقمية لحفظ وتوثيق تاريخ الأسرة وأعلامها ووثائقها ومشجرتها، حفاظًا على إرثها وتاريخها للأجيال القادمة.

روابط تهمك

الرئيسية
أعلام الأسرة
نبذة تاريخية
شجرة الأسرة
مدونة الأسرة
تواصل معنا
error: محتوى هذا الموقع محمي