مهنا الصالح شخصية معروفة تولى إمارة بريدة والقصيم عموماً عدا عنيزة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ومن المشهور أن مهنا كان من كبار التجار قبل ولايته الإمارة ، والظاهر أن أصل ثروته تكونت في البداية إما في أواخر حياة والده ، أو من إرثه من والده الذي علمنا سابقاً حجم ما كان يملكه من أموال طائلة ، ولقد قام مهنا بتنمية أمواله حتى صار يمتلك ثروة ضخمة جداً ؛ حيث قام بالتجارة بنفسه ، فرحل إلى خارج الجزيرة العربية في الشام والعراق ، كما دفع أمواله إلى بعض الناس على سبيل المضاربات التجارية ، كما وظف جزءاً من ماله في قروض على شكل ديون . على أن أهم العوامل في زيادة ثروته كونه تولى تجهيز حملة حجاج العراق لسنوات غير قليلة ، فمن خلال وصف الرواة لتلك الحملة يتبين قدراته المالية في تجهيزها ثم فيما يكسبه من أرباح بعد انتهائها ، فقد قيل أن عدد الإبل التي حملت الحجاج في قوافله عام 1265 هـ وصل إلى خمسين ألف بعير ، وبينما بلغ عدد الحرس فيها إلى عشرين ألف رجل ، وقد حددت مسؤولية مهنا بجانب توفير هذه الإبل ـ تأمين أيضاً الخيام والأثاث والهوادج والمواد الغذائية والطهي والحراسة وخاوات القبائل.
والناظر في وثائق مهنا يراه أقرض أموالاً كثيرة بديون على كثير من الناس سواء في بريدة وقراها ومدن القصيم الأخرى ، أو خارج القصيم كالزلفي ، كما أقرض رجالاً من زعماء البادية . بل يلاحظ أنه كان أحياناً يقرض قروضاً حسنة بدون دين . ومن الملفت للنظر شراؤه لكثير من الأملاك والمزارع ، والشيء الذي نحب التنبيه عليه أن أكثر تلك القروض التي أقرضها للناس وكذلك الممتلكات التي اشتراها كانت قبل سنة 1280 هـ ، أي قبل ولايته الإمارة . ومن أشهر ممتلكاته التي اشتراها وارتبط بها أكثر من غيرها مزارعه في روضة الربيعي ( الربيعية ) وقد تملكها سنة 1272 هـ ، وقد ورد في وثيقة مؤرخة في جمادى الأولى سنة 1278 هـ بقلم حمد بن سويلم تنص على شراء مهنا إمارتها . وقد بنى فيها قصراً سمي الأصقه لحصانته ، ثم بنى بجواره مسجداً كما وردت الإشارة إلى ذلك في وصية ابنه حسن . وحين مر على الربيعية الرحالة الإنجليزي وليم جيفور بالجريف في أكتوبر سنة 1862 هـ ( أي في ربيع الثاني سنة 1279 ) قال بعد أن ذكر خروجه من بريدة أنه وجد نفسه ورفقاءه (( فجأة على حافة مجاري قنوات مائية عميقة ، وأعواد الذرة التي من خلفها أسوار عالية . كانت تلك هي رويضة ، تلك القرية الصغيرة ، جيدة الري ، وكانت البساتين التي أمامنا هي بساتين مهنا الخاصة … )) . ثم وصف بستان مهنا فقال (( كان بستاناً جميلاً جداً تنمو فيه أشجار التين ، وأشجار البرتقال والرمان والخوخ ، ومجاريه المائية مبطنة بالحجر ، وكذلك خزاناته ، أما ممراته فيما بين الأشجار والشجيرات فقد كانت منظمة بذوق رفيع ، وتماثل جميل يختلف عما يعرفه العرب في فلاحة البساتين ))، برز مهنا بين جماعته أهل بريدة ، فصار من أعيانهم ، بل صار شخصية معروفة عند أهل القصيم قبل أن يشتهر أمره في نقل الحجاج. تولى مهنا إمارة بريدة ، وذلك في سنة 1280 هـ على رأي جمهور المؤرخين بموجب قرار الإمام فيصل بن تركي أميراً لبريدة ، ومن ثم أميراً على القصيم كلها ما عدا عنيزة . لقد كان مهنا الصالح مؤهلاً في تلك الفترة للإمارة في القصيم ، فقد كان كما سبق رسول أهل القصيم إلى الإمام فيصل بن تركي ، وكان من كبار التجار في زمنه ، وربما أنه أكبر تاجر في بريدة حينذاك ، إذ أن أملاكه قبل الإمارة من واقع ما بقي من دفاتره وأوراقه الموجودة بين أيدينا قد غطت غالب بلاد القصيم ، فضلاً عما كان يتوافر لديه من سيولة نقدية . ثم إن لديه خبرة إدارية ومالية ، واطـلاع على أوضاع العالم آنذاك بحكم تسييره قوافل الحجاج وقتاً طويلاً . وعلاوة على ذلك فقد كان يتصف بصفتين ينظر الناس إليهما في ذلك الزمن بأنهما من أهم شروط من يتولى قيادتهم وحكمهم ، وهما الشـجاعة والتعود على الغزو ، حيث كان لديهم أمثال سائرة بينهم تدل على ذلك ، مثل قولهم ((ما غزا مع مهنا)) ، أو ((فلان غاز مع مــهنا)) ، حيث أنه ((إذا استخدم رجالاً في الغزو أو التجارة أتعبهم في الخدمة ، والسُّرَى في الليل ، فكان من سبق لـه أن غزا مع مهنا يميز عن غيره لكونه اكتسب من غزوه خبرة في الغزو ، وصبراً على المشاق))، ومنه قولهم عن الدابة إذا استهزلوها ، ووجدوها قد استهلكت قوتها ((هذه قد ركبها مهنا)) ، وذلك لإتعابه الخيل إذا ركبها، في ظل إمارة مهنا التي امتدت حوالي اثني عشر عاماً عاشت بريدة خاصة و القصيم عامة فترة استقرار و هدوء،لم يقدم على مغامرات عسكرية لتوسع سلطانه ، فجنب أهل بريدة والقصيم الحروب وما يتخلف عنها من مآسٍ وأضرار في الأنفس والأموال والعمران ، وقد عرف عنه حسن تعامله ، وطيب مسلكه مع الناس ، انتهت حياة مهنا بالقتل غيلة على أيدي جماعة من آل أبو عليان في صباح يوم الجمعة 19 محرم سنة 1292هـ .

