هو عبد الله بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله بن حسين بن صالح بن حسين أبا الخيل، والدته هي هيلة بنت محمد العمر، ولد في بلدة المريدسية غرب بريدة التي كان جده الشيخ عبد الله قد استوطنها، وكان مولده في عام 1340هـ، وذلك بعد ثلاث سنوات من وفاة جده الشيخ عبد الله المتوفى سنة 1337هـ، نشأ وتربى في حجر والده الشيخ محمد .
تعلم القراءة وقراءة القرآن في مدرسة سليمان العُمري الواقعة عند مسجد الصايغ، كما درس في مدرسة عبد العزيز الفرج التي كان يدرس فيها الصبيان، وكان يحفظ عليه القرآن بعد المغرب، ثم أتم قراءة القرآن على والده الشيخ محمد، فحفظ القرآن وعمره عشر سنوات، وكان سريع الحفظ، وقد حفظ جزءاً من القرآن في ضحى يوم جمعة.لازم الشيخ عبد الله شيخه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الْعْبَادي الذي كان كفيف البصر، فقرأ عليه عمدة الأحكام، وكتاب الإيمان لابن تيمية، وملحة الإعراب، والآجرومية، وكتاب التوحيد، وثلاثة الأصول، وكان الشيخ العبادي -كما يروي الشيخ عبد الله-يشرح عند القراءة عليه، فيبين المعاني، ويرشد الطالب إلى الفوائد، وكان يخص الشيخ عبد الله بالقراءة عليه لوحده في بيته . كما قرأ حفظاً على الشيخ عمر بن سليم كتاب التوحيد، وكتاب الزاد إلى بداية الوديعة . كما قرأ على والده الشيخ محمد ثلاثة الأصول وغيرها .
بعد وفاة شيخه عبد العزيز العبادي سنة 1358هـ سافر الشيخ عبد الله بعد أقل من سنتين إلى الرياض لاستكمال طلب العلم، وذلك في سنة 1360هـ، فدرس على الشيخ عبد الله بن حميد النحو، ودرس على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم الفرائض إلى المناسخات، ودرس على الشيخ محمد بن إبراهيم الفقه والحديث .ومما يذكره الشيخ عبد الله أن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم اختار عدداً من التلاميذ المتميزين -وكان الشيخ عبد الله أحدهم – يقرأون عليه بعد الظهر قراءة خاصة، فيبدأون بصحيح البخاري وصحيح مسلم، ثم بلوغ المرام، ثم زاد المستقنع، ويستمرون بالقراءة عليه حوالي الساعتين، وكان لهؤلاء التلاميذ مخصصات؛ خمسة وعشرون مما كان يسمى بالريال العْرّبِي، ونصف كيس من الرز، وقُلّة من التمر تقدر قيمتها بأربعين ريالا (عربي)، وصاع قهوة، وصاع سكر .
ومما قاله الشيخ عبد الله أنه كان يطالع على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ويقرأ عليه ما يصله من استفسارات وقضايا من داخل المملكة وخارجها تحتاج إلى ردود، وكان أحد الذين يحضرون له البحوث . وقال : في إثناء وجودي عند الشيخ ابن إبراهيم في الرياض طلبتني وزارة المعارف للتدريس في الأحساء، فرد عليهم الشيخ بعدم الموافقة بحجة أني ما زلت اطلب العلم . وكان يتخلل دراسته في الرياض زيارات لأهله في القصيم، وإذا جاء إلى القصيم كان يصحب والده الشيخ محمد في إعماله ومهامه التي تولاها، ويواصل دراسته عليه، وقد ذكر أنه استمع لبعض دروس الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في أيام وجود أبيه الشيخ محمد قاضياً في عنيزة .استمر الشيخ خمس أو ست سنوات في طلبه للعلم ودراسته في الرياض، ثم بعد ذلك كلف بالذهاب إلى بلدة النخيل شمال شرق المدينة النبوية تبعد عنها بمسافة 117كم . يقول الشيخ عبد الله : ((في سنة1366هـ اختارني شيخي الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله لقرية النخيل إماماً ومعلماً، وقد وافق ذلك رغبة عندي لاجتمع بأمي وأهلي، كما أن بعض الإخوان حببوا إلي هذا البلد من ناحية طيب أهله وأريحيتهم، وقد استمر وجودي في النخيل حتى وفاة والدي عام 1381هـ، حيث كنت رجعت إلى بريدة قبيل وفاته رحمه الله، وقد رجعت إلى النخيل سنة 1384هـ ولبثت عدة أشهر حتى عين الشيخ عبد العزيز العقل إماماً لهم )) . وقال الشيخ عبد الله أيضاً عن أيامه في النخيل :((كان أمير النخيل هو مشعان بن غانم بن موقد شيخ عوف من حرب، وقد تزوجت ابنته حصة، فأنجبت مني بنتاً، وكنت في وقت ولادتها في بريدة، وقد توفيت هذه البنت عقب مولدها، ثم طلقت زوجتي هذه، ولا يزال [ونحن في سنة 1423هـ] مشعان يزورني ويمر علي إذا قصد الرياض)) .
مما ذكره الشيخ عبد الله أنه حج أول حجة له سنة 1358هـ، وكان ذلك مع والده الشيخ محمد، وقد حجوا على السيارات في تلك السنة بدلاً من الإبل، وانطلقوا من الرياض إلى مكة بها .
خلف الشيخ عبد الله والده الشيخ محمد بعد وفاته سنة 1381هـ في إمامة مسجده في حي العجيبة في بريدة، وقد اختير للتدريس في معهد بريدة العلمي فوافق، ثم بدا له أن يعتذر، كما عرض عليه التدريس في كلية الشريعة في القصيم فاعتذر، ثم صار يتلقى في مسجده الطلاب للقراءة والدراسة عليه، ومازالوا في ازدياد حتى ضاق المسجد بهم في بعض السنوات . وللعلم فإن جلوس الشيخ للتدريس في مسجده لم يكن هو بدايته في التدريس، فقد سبق أن درس في الرياض بتكيف من شيخه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، فكان الشيخ عبد الله يدرس صغار الطلبة، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم يدرس كبار الطلبة .
كان الشيخ عبد الله يحفظ القرآن كله كحفظه لفاتحة الكتاب، ولم يكن يحتاج إلى فتح المصحف، وكان يحفظ كثيراً من المتون، وفي مقدمتها الزاد، ويكاد يستظهر كتباً كثيرة من أبرزها الروض المربع الذي كانت لديه قدرة عجيبة على تفكيك عباراته، وتبيين ألفاظه وشرحه .
كان الشيخ عبد الله مبرزاً في الفقه، ويجيد أصوله، وكان متضلعاً في المواريث، وكانت لديه علم واسع في اللغة والنحو، وكانت لديه معرفة بالتفسير وعناية بالأنساب . ومما كان يتمناه أن يصنف في النحو، أو يضع شواهد لكتاب قطر الندى .
لما تفرغ للقراءة والتدريس وقَلَّتْ مخالطته للناس أصبح يجلس للطلاب من بعد صلاة الفجر حتى بعد طلوع الشمس بساعة أو ساعتين، ثم بعد صلاة العصر إلى أذان المغرب، ومن بعد صلاة المغرب حتى صلاة العشاء، وربما قرأ عليه بعضهم بعد العشاء، وربما أذن لبعضهم بالقراءة عليه في بيته، وكان عنده -في الجلوس للتدريس والقراءة- صبر وجَلَد واحتساب قَلَّ أن تجد نظيره عند الآخرين ولا يعتذر لأحد في القراءة عليه سواء كان كبيراً أو صغيراً، وكانت القراءة عليه في شتى العلوم الشرعية في المختصرات والمطولات .
ولقد قرأ على الشيخ في بريدة على مدى سنوات كثرة كاثرة من الطلاب يتعذر إحصاؤهم ، وكانوا من بريدة وخارجها، وحتى من خارج المملكة،، وكان منهم من كبار طلبة العلم، ومنهم من صغار طلبة العلم، ومنهم من الصبيان المبتدئين، وكان بعض هؤلاء الطلاب يخصهم الشيخ بالقراءة عليه في منزله . وكان من أبرز طلابه : الشيخ عبدالله بن إبراهيم القرعاوي، والشيخ محمد بن فهد بن علي الرشودي، والشيخ سليمان بن ناصر العلوان، الشيخ إبراهيم بن محمد الدبيان، والشيخ عبد الله بن الشيخ صالح الخريصي، والشيخ خالد بن علي بن صالح أبا الخيل .
ومما يذكر على سبيل المثال أن الشيخ سليمان العلوان حفظ على الشيخ عبد الله نخبة الفكر، والبيقونية، والفتوى الحموية، والرحبية، وبلوغ المرام، وقرأ عليه شرح الطحاوية، وجامع الأصول لابن الأثير، وصحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرها . ومما قرأه عليه الشيخ خالد أبا الخيل : القرآن الكريم كاملاً، خمس مجلدات من المغني لابن قدامة، الروض المربع للبهوتي، النونية لابن قيم الجوزية، مصباح الظلام لعبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، مختصر السيرة لمحمد بن عبد الوهاب، الرحيق المختوم في السيرة لصفي الرحمن المباركفوري . كان الشيخ عبد الله هادي الطبع، سليم الصدر، تعلو الابتسامة محياه، لم يُرَ في وجهه الغضب، لين الجانب، جم التواضع، لطيفاً في تعامله مع الصغير والكبير، يستوفي السؤال عن صحتهم وأحوالهم .
ومما يلفت النظر في أحوال الشيخ عبد الله طول مكثه في المسجد، وكثرة صلاته وطولها، وكثرة ذكر الله وقراءته القرآن .
كان الشيخ عبد الله له مكانته بين أقاربه وأرحامه، وتعودوا منه مبادرته بالتواصل معهم وزيارتهم، وكانوا يبادلونه التواصل والزيارات، وإذا قدم أحد من أبناء عمه من خارج المنطقة من الرياض أو الحجاز أو الكويت فإنهم يسارعون إلى زيارته للاطمئنان عليه، وقد عرف بخدمته لأقاربه، ومما يذكر في هذا الصدد أنه -بصفته مبرزاً بعلم المواريث- قام على قسمة كثيراً من مواريث أبناء عمه، وكان يقضي معهم الليالي والأيام في اجتماعات كثيرة لتقسيم مواريثهم . ومما عرف عنه الكرم، فكان يبادر بإكرام أبناء عمه بإقامة الموائد لهم، وقبل كبره وانقطاعه عن الناس كان حريصاً على المشاركة بما يعرف بـ(الدوريات) التي يلتقى بها أبناء عمه في وقت محدد من الشهر .
وكان الشيخ جواداً سخياً مع جيرانه، وكان يعطف على العمال ويواسيهم ويتفقد أحوالهم، ويضع لهم الموائد في المناسبات . ومما كان يُعنى به الشيخ عبد الله معرفة أحوال المسلمين، فله اطلاع على ما كان يجري في بلاد المسلمين من حوادث ونكبات، فكان يتألم لما يحدث لهم، ويتعاطف معهم، ويدعو لهم .
نختم الكلام عن الشيخ ببعض ما كتبه الشيخ خباب بن مروان الحمد وهو من فلسطين، حيث قال :((قرأت عليه بعض كتب العقيدة للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وكنت أرقب صلاته ووقوفه بين يدي ربه وخشوعه وتدبره للآيات، ما يجعلني أتذكر ما كانت أطالعه في كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي من عبادة العلماء وخشيتهم لله…بعد أن أتممت عليه قراءة أحد المتون العلمية، عزمني في بيته لتناول طعام العشاء، حيث علِم أننا قد قصدناه من مدينة الرياض – محل إقامتي سابقاً – وأتيناه إلى محل إقامته في …القصيم…، فأكرمنا جزاه الله خيراً)).
عانى الشيخ عبد الله في آخر حياته من أمراض الشيخوخة، وقد بقي صابراً محتسباً، وقد بقي حتى أيامه الأخيرة لم يفقد ذاكرته أو عقله، وقد توفي في يوم الخميس التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة 1434هـ، عن عمر ناهز الرابعة والتسعين، وصُلي عليه في جامع خادم الحرمين الشريفين ببريدة بعد صلاة العصر، وشهد جنازته جموع كبيرة من الناس من العلماء وطلبة العلم والأعيان والعامة، وحمل على الأكتاف إلى مقبرة الموطأ، ودُفن فيها .
رحم الله الشيخ عبد الله وجزاه عما قدم لأمته وطلبة العلم والمسلمين خير الجزاء، ورفع درجته في الجنة مع من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً .

